الخطيب الشربيني
547
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ ومنها إبراز الجملة في قوله تعالى إِنَّهُ هُوَ أي : وحده الْغَفُورُ أي : البليغ الغفر يمحو الذنوب عمن يشاء عينا وأثرا فلا يعاقب ولا يعاتب الرَّحِيمُ أي : المكرم بعد المغفرة مؤكدة بأن وبالفصل وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : « أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقالوا : إن الذي تدعو له لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة » فنزلت هذه الآية « 1 » . وروى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس : « أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما حين بعث إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام ، فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلقى أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة وأنا قد فعلت ذلك كله ، فأنزل الله سبحانه وتعالى إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [ مريم : 60 ] فقال وحشي : هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء ، 48 ] فقال وحشي : أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الآية قال : نعم هذا . فجاء فأسلم ، فقال المسلمون : هذا له خاصة قال : بل للمسلمين عامة » « 2 » . وروي عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا ، وكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بيده ، ثم بعثها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا . وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد وإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال : يا مذكر لم تقنط الناس ثم قرأ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وعن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي » « 3 » وروى الطبراني : « أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بها أي : بهذه الآية فقال رجل : يا رسول الله ومن أشرك ؟ فسكت ساعة ثم قال : إلا من أشرك ثلاث مرات » « 4 » . وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل ، فإذا راهب فسأله فقال : هل لي توبة فقال : لا فقتله وجعل يسأل فقال رجل :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4810 ، ومسلم في الإيمان حديث 122 ، والنسائي في التحريم حديث 4004 . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره 18 / 239 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 3 / 252 ، 4 / 17 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 / 66 . ( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 435 ، 3 / 241 ، وابن أبي الدنيا في حسن الظن 71 . ( 4 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 100 ، 10 / 214 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 / 331 ، والطبري في تفسيره 12 / 24 .